الشيخ محمد رشيد رضا

618

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرجم بالمدينة وأخفوا ما هو أعظم من ذلك وهو البشارة بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكتمان صفاته عن العامة ، وتحريفها إلى معاني أخرى للخاصة ، وإلى أن قال بعضهم : ما أنزل اللّه على بشر من شئ ، كما قال المشركون من قبلهم ( ان صحت الروايات في ذلك ) فلما كان ذلك كله كان غير مستبعد ولا مخل بالسياق أن يلقن للّه تعالى رسوله أن يقرأ هذه الجمل في المدينة على مسمع اليهود وغيرهم بالخطاب لهم فيقول « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً » مع عدم نسخ القراءة الأولى . وبهذا الاحتمال المؤيد بما ذكر من الوقائع يتجه تفسير القراءتين بغير تكلف ما ، ويزول كل إشكال عرض للمفسرين في تفسيرهما وأما قوله تعالى وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ فقال قتادة : اليهود آتاهم اللّه تعالى علما فلم يهتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به فذمهم اللّه في علمهم ذلك . وقال مجاهد : هذه للعرب . وفي رواية عنه للمسلمين ، ومؤداهما واحد ، فان ما علمه العرب من علوم القرآن وحكمه وهدايته قد أدوه إلى سائر المسلمين من غيرهم فكانت فائدته عامة . وفي الجملة امتنان منه سبحانه على الرسول وقومه وسائر المؤمنين بايتائهم هذا الكتاب الحكيم المبين . والمعنى عندنا على تقدير جعل الخطاب لليهود : وعلمتم بما أنزل على خاتم النبيين ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم الذين كانوا أعلم وأهدى منكم . فمن ذلك ما أفاده قوله تعالى ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وسيأتي بيانه في موضعه ان شاء اللّه تعالى . ومنه ما انفرد به الاسلام وهو ما أكمل اللّه تعالى به دينه من بسط أصول العقائد ، موضحة بالأمثلة مؤيدة بالدلائل ومن اتمام مكارم الأخلاق وعقائل الفضائل والآداب ، بجعلها وسطا بين ما كانوا عليه هم والنصارى من التفريط والافراط ، ومن جعل أحكام العبادات والمعاملات ، مصلحة لا نفس الافراد وموافقة لمصالح الجماعات ، ومن جعل الحكومة شورى بين أهل الحل والعقد ، والشريعة مساوية بين الأجناس والملل والافراد في ميزان العدل ، لا يميز فيها إسرائيلي لنسبه ، ولا عربي لحسبه ، ولا يحابى مسلم باسلامه ، ولا يظلم كافر بكفره - كما تقدم في تفسير ( 4 : 134 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) وتفسير ( 5 : 8 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) وغيرهما ، فكان المعقول أن يكون علماء اليهود -